جريدة الاتحاد تاريخ 6/7/1997

 

بين الامبراطورية الشاهنشاهية والجمهورية الاسلامية (3)

الامارات وايران والجزر الثلاث

 

د. علي حميدان *

 

لقد عالجنا في الحلقة السابقة من هذه الدراسة قضية الصلة ما بين تخلي ايران عن مطالبتها بالبحرين واحتلالها للجزر الاماراتية الثلاث، وقد اوردنا بعض المؤشرات والتصريحات البريطانية التي تدل بصورة او بأخرى على ان الحكومة البريطانية قد اعطت الضوء الاخضر لشاه ايران لاحتلال الجزر، مكافأة له عن تخليه عن البحرين، ليس هذا فحسب، بل كانت ترى في نظام حكمه القوة الوحيدة التي تستطيع الاضطلاع بدور الشرطي في المنطقة، وهو الدور الذي كان الشاه تواقا للقيام به.

ولابد لنا في هذا السياق من الاشارة الى ما ورد في المذكرات السرية لوزير البلاط الايراني السابق اسد غلام والتي نشرت في كتاب بعنوان »الشاه وانا« يقول اسد غلام في مذكراته اليومية وبالتحديد في يوم 17 فبراير ،1969 جاء سير دنيس رابت، سفير بريطانيا في ايران لكي يراني، وبثقة كبيرة قال لي ان جزر طنب من المؤكد ان تؤول الى ايران، لقد هددت بريطانيا شيخ رأس الخيمة بأن الجزر تقع في جانبنا من خط الحدود، وانه إذا لم يلجأ الى نوع من التفاهم معنا فسنأخذها قانونا او بالقوة. الشيخ مهيأ لأن يعقد اتفاقا، وقد تحقق ما قاله السفير البريطاني في طهران لأسد غلام، إذ ان الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة، لم يوقع اتفاقا مع ايران بخصوص الجزر، فقامت قوات الشاه باحتلال الطنبين في الثلاثين من نوفمبر 1971.

نرى من كل ما سبق ذكره بأن الامبراطورية الشاهنشاهية كانت تتمتع، في الفترة ما بين 1969 و1979 بمكانة سياسية واستراتيجية متميزة على خارطة الخليج العربي، وفي المخططات الاستراتيجية للدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية التي اعتبرتها الركيزة الاساسية لحماية مصالحها في المنطقة، وزودتها بكافة الاسلحة المتطورة التي جعلت من الجيش الايراني واحدا من اقوى الجيوش في منطقة الشرق الاوسط.

وقد قيل في حينه بأنه كان بإمكان القوة العسكرية الايرانية ان تحتل الخليج بأكمله في ظرف ساعتين فقط، كما ان شاه ايران السابق كان يتمتع بصداقة ونفوذ لدى كثير من الزعماء العرب، الامر الذي دفع بعضهم الى الاستخفاف باحتلال ايران للجزر الاماراتية الثلاث، ولعل خير مثال على ذلك هو اشارة الرئيس المصري السابق، انور السادات، واشارته الى الجزر بأنها »شوية صخور« لا تستحق الضجة التي اثيرت حولها، والمعروف ان مصر السادات هي الدولة الوحيدة التي قبلت لجوء الشاه الراحل اليها بعد ان اطاحت به الثورة الخمينية في عام ،1979 وقد توفي في مصر ودفن فيها، وفي المقابل لابد من الاشارة ايضا الى الظروف الصعبة، بل التحديات الجسام التي كانت تجابهها القيادة السياسية لدولة فتية صغيرة كدولة الامارات العربية المتحدة، التي كان همها الاول هو التغلب على الخلافات الداخلية بين الامارات وتركيز دعائم الدولة الاتحادية الفتية، اضف الى ذلك موضوع الخلافات الحدودية بين معظم دول المنطقة وتشكيك بعض الدول العربية في امكانية نجاح الدولة الفتية في المحافظة على اتحادها.

في ظل هذه الظروف مجتمعة لم يكن باستطاعة حكومة الامارات في ذلك الوقت ان تضع قضية استرجاع جزرها المحتلة على رأس اولوياتها السياسية واكتفت بالاستمرار في تأكيد سيادتها على هذه الجزر في المحافل الدولية، وخاصة في وثائق الامم المتحدة، ويمكن تلخيص موضوع اثارة قضية الجزر الاماراتية في الامم المتحدة بالشكل التالي:

1- بعد احتلال ايران للجزر بعدة ايام وبالتحديد في يوم 3 ديسمبر ،1971 تقدمت وفود العراق واليمن الديمقراطية والجزائر وليبيا الى رئيس مجلس الامن طالبة منه عقد جلسة عاجلة لمجلس الامن للنظر في الوضع الناتج عن احتلال ايران للجزر الثلاث.

وفي 9 ديسمبر من السنة نفسها عقد مجلس الامن جلسة مخصصة لموضوع الجزر حيث تكلمت فيها عدة وفود عربية منددة بالاحتلال الايراني ومطالبة مجلس الامن بعمل سريع لإرغام ايران على الانسحاب منها.

ثم تكلم المندوب الايراني مؤكدا تبعية الجزر لبلاده، وقال بهذا الصدد ان ايران لم تفعل سوى تحريرها من السيطرة الاجنبية.

ومن جانب الامارات تحدث في جلسة مجلس الامن الدكتور عدنان الباجهجي الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب وزير الدولة في حكومة ابوظبي المحلية وقد وجد في نيويورك بمناسبة قبول دولة الامارات كعضو في المنظمة الدولية في اليوم نفسه 9 ديسمبر ،1971 الذي عقدت فيه جلسة مجلس الامن لمناقشة نتائج احتلال ايران للجزر الاماراتية. وقد فند الدكتور الباجهجي ادعاءات ايران بتبعية الجزر لها مؤكدا بأن دولة الامارات لا تعترف بأية سيادة غير سيادتها على الجزر الثلاث.

2- تقدم العراق في احد اجتماعات المجموعة العربية لدى الامم المتحدة باقتراح يتلخص في توجيه رسالة الى رئيس مجلس الامن يوقعها السفراء العرب في المنطقة ويؤكدون فيها على عروبة الجزر وكونها جزءا من الوطن العربي الكبير، وتدخل مندوب الامارات العربية المتحدة لدى المنظمة في النقاش مطالبا بتعديل الاقتراح العراقي بحيث يقال بأن الجزر هي جزء لا يتجزأ من دولة الامارات العربية المتحدة، وقد تم بالفعل توجيه رسالة بهذا المعنى الى رئيس مجلس الامن بتاريخ 17/7/1972 وحملت الرسالة توقيع مندوبي 14 دولة عربية.

3- نتيجة للنزاع العراقي - الايراني والاشتباكات التي كانت تجري على الحدود بينهما منذ عام 1972 جرى تقديم عدد من الرسائل من قبل الوفدين العراقي والايراني الى مجلس الامن وصدورها كوثائق رسمية من وثائق المجلس، وكان العراق يشير في معظم تلك الرسائل الى احتلال ايران للجزر الاماراتية الثلاث كدليل على عدوانية ايران واهدافها التوسعية في المنطقة. الامر الذي كان يدفع المندوب الايراني للرد على الرسائل العراقية والقول بأن الجزر ايرانية، ولم تفعل ايران باحتلالها سوى استرجاعها من السيطرة الاجنبية، أما مندوب الامارات العربية المتحدة فكان يقوم بالرد على الرسائل الايرانية برسائل يؤكد فيها عدم اعتراف دولة الامارات بسيادة غير سيادتها على الجزر الثلاث.

وهكذا كان الامر بالنسبة للنقاشات التي تدور في الجمعية العامة للامم المتحدة ولجانها المختلفة. وفي مجلس الامن احيانا، ففي كل مرة يتعرض فيها المندوب الايراني لموضوع الجزر من وجهة نظر حكومته، يبادر فيها مندوب الامارات العربية المتحدة يطلب حق الرد على المندوب الايراني، ليؤكد ان دولته لا تعترف بأية سيادة على الجزر سوى سيادة دولة الامارات العربية المتحدة وهكذا اكدت دولة الامارات استمراريتها في المطالبة بالسيادة على الجزر وعدم تخليها عنها.

 

* كاتب وسفير اماراتي سابق