جريدة الخليج تاريخ 15/9/1992

 

ابو موسى والعلاقات الخليجية ــ الايرانية

 

د. مبارك كليفيخ الهاجري

 

لئن كان استيلاء دولة عنوة على منطقة تابعة لدولة اخرى فيما مضى جائزا لاكتساب تلك المنطقة، على اساس ان استخدام القوة كان نظاما معترفا بوجوده وبآثاره، فإنه على اثر ظهور المواثيق الدولية التي تحرم الاستيلاء بالقوة فلقد فقد ذلك الاسلوب علته ولم يعد يصلح سببا تنتقل السيادة بمقتضاه على ما استولي عليه بالقوة من دولة الى اخرى. فقد تضمن ميثاق الامم المتحدة تحريم استخدام القوة في العلاقات الدولية ويوجب على الدول تسوية منازعاتها بالطرق السلمية.

ولا نبالغ في القول ان التوسعات الاقليمية المفروضة بالقوة، لا يمكن إلا ان تكون باطلة، وتستوجب المسؤولية الدولية التعاون مع الدولة المعتدى عليها في جميع المجالات، من اجل القضاء على تلك التوسعات وعدم التعاون مع الدولة المعتدية للضغط عليها لكي تمتثل لحكم القانون وتتخلى على ما استولت عليه بغير حق وهذا هو ما يجب ان يتبع بالنسبة لما اقدمت عليه ايران في جزيرة ابو موسى التابعة لدولة الامارات العربية المتحدة والتي لا يبدو ان عنصر الحفاظ على العلاقات الطيبة مع دول مجلس التعاون الخليجي كان حاضرا لدى تحديدها لموقفها من تلك الجزيرة حتى ان ترددت تلك الفكرة على لسان بعض المسؤولين فيها مؤخرا، فهذا التطور الايراني يطيح بمفاهيم وسمات كثيرة ويهز معتقدات لنا نحن الخليجيين لوقت قريب تبدو ثابتة خاصة بعد ازمة الخليج حيث اصبحت العلاقات بين دول المجلس وايران تتميز بسمات اولها تحقق تعارف بين القيادات السياسية في كلا الطرفين، مما خلق شبكة واسعة من الصلات المباشرة والشخصية بين القيادات المؤثرة في صنع القرارات السياسية وهي صورة كانت مفقودة في الماضي القريب، وخلوها من حساسيات الماضي والشكوك واخذها طابع الحماس والرغبة المتبادلة في توثيق الروابط والصلات في مختلف المجالات من خلال محاولات الطرفين ايجاد اكبر قدر ممكن من التعاون بينهما على كافة المستويات والذي تدعمه فكرة جعل المنطقة منطقة امن وسلام وهو ما يتراءى بصفة عامة في البيانات المشتركة او الزيارات المتبادلة للمسؤولين بين الطرفين.

وثانيها، حدوثه في ظل النظام الدولي الجديد الذي ولد اساسا على ارض هذه المنطقة والذي يستند الى توازنات وتحالفات جديدة ويسعى الى بلورة مجموعة من القواعد الجديدة المنظمة للعلاقات بين الدول والى عدم الاعتراف بالتغييرات التي يتم فيها تغيير الحدود الدولية بالقوة واشاعة جو الاستقرار والعدل والسلام والتعاون في العلاقات الدولية، ومعرفة التعامل مع مبادئ السيادة وعلاقة الدول بالمجتمع الدولي، وتسوية المنازعات بالطرق السلمية.

ان دروس التاريخ والقريبة جدا في محاولات تغيير الحدود، تقطع ان فرضها من جانب واحد لمصلحته وحده وسط شعور عام بالاستياء وعدم القبول لدى الطرف الآخر، خاصة إذا كان لدى هذا الطرف، من الحجج والمواثيق التاريخية ما يثبت احقيته وسيادته في هذه الحدود، ولم يفلح في استردادها لسبب او لآخر، لا يمكن ان يكسب هذه الحدود طابع الدوام، وبالتالي تأكد ان الامن لا يكتسب في المدى الطويل إلا في ظل سلام عادل في مفهوم الاطراف المعنية كلها وهذا ما يزيد رغبتنا في التسوية السلمية العادلة بين دولة الامارات العربية المتحدة العضو في مجلس التعاون الخليجي وايران التي من المعروف انهما تربطهما علاقات طيبة ووطيدة لكنها فجرت ازمة حول جزيرة ابو موسى بتاريخ 24 اغسطس الماضي بعد منعها سفينة كانت تقل اكثر من 100 من مواطني دولة الامارات وموظفيها في الرسو على الجزيرة وابقت الركاب في البحر ثلاثة ايام ثم اعادتهم من حيث اتوا بحجج تجافي الحقيقة، لأن هناك اتفاقية دولية ارتبطت بها ايران مع امارة الشارقة العضو في اتحاد دولة الامارات العربية تؤكد سيادة امارة الشارقة على الجزيرة، وان الوجود الايراني فيها يقيده عدد من الشروط التي حددتها الاتفاقية نفسها من حيث حدود المنطقة والاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الجزيرة.

ان هذه الشروط والحدود قد انتهكتها ايران بصورة تعتبر من مبررات مطالبة الامارات بتخلي ايران وعودة جزيرة ابو موسى الى الوطن الام دولة الامارات العربية المتحدة.

ان احداث جزيرة ابو موسى تشكل امتحانا صعبا امام مجلس التعاون الخليجي لا تزال نتائجه غير معروفة وتحاول دول المجلس ان تجد لها حلا والوصول بها الى بر الامان في الوقت الحاضر من خلال اتباع سياسة (الدبلوماسية الهادئة) التي ان كتب لها النجاح فلا شك انها ستكون انتصارا لدبلوماسية تحتاج اليها المنطقة اشد الاحتياج.

وإذا كان اللجوء للتحكيم الدولي يهدف الى التغلب على المشكلة السياسية، ويتم بعد فشل التوصل الى حل تفاوضي، وإذا كان القانون الدولي لا يعترف بالادعاءات السياسية كأساس لمسألة السيادة وهو حال ايران في الجزيرة فإن على الرأي العام العربي الخليجي متى ما استنفد سبل الحل الدبلوماسي ان يولي كل العناية لقضية جزيرة ابو موسى والجزر العربية الاخرى في الخليج، ويتنبه لها، فهي إذا كانت تمس مصالح دولة الامارات العربية المتحدة ومستقبلها فإنها تمس ايضا مصالح دول المجلس ومستقبلها.

وعلى خبراء دول المجلس المختصين في التاريخ وفي القانون الدولي ان يعدوا المزيد من الدراسات ويجهزوا الوثائق التي يمكن الاستناد اليها في الدفاع امام المنظمات الدولية. وامام محكمة العدل الدولية او امام محاكم التحكيم، وامام الرأي العام العالمي بوجه عام إذا ما عرضت على القضاء الدولي ليعمل حكم القانون فيها.

ولا مراء، ان المساعي على تبذل لإنهاء هذه الازمة سلميا والى تحسين علاقات ايران بدول المجلس، كل هذا وذاك لا شك انه في صالح سلام وامن المنطقة والعالم اجمع.

 

* كاتب من قطر